القانون لا يُقتل بالرصاص
كيف تتلاشى جمعيات تونسية في صمت — واحدة كل ثلاثين يوماً
في 24 أبريل 2026، علّقت محكمة في تونس العاصمة نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان — أعرق منظمة حقوقية في البلاد، عمرها يتجاوز الخمسة وأربعين عاماً، وفي رصيدها جائزة نوبل للسلام.
التهمة؟ تأخر في التصريح بتمويل أجنبي، وعيوب في حفظ السجلات.
المدة؟ ثلاثون يوماً.
لكن وراء هذه الثلاثين يوماً، قصة أطول وأثقل.
ليست حادثة — بل نمط
منذ يوليو 2025، علّقت السلطات التونسية نشاط عشرين منظمة مدنية على الأقل. وبحسب منظمة العفو الدولية، أصدرت المحاكم خلال العام الماضي أوامر تعليق لمدة 30 يوماً ضد ما لا يقل عن 25 منظمة، بينها جمعيات نسوية ومنظمات مناهضة للعنصرية وكيانات حقوقية.
الرابطة التونسية. محامون بلا حدود. المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
ليست أسماء عشوائية. كل واحدة منها كانت في مكان ما من مشهد الثورة التونسية.
السلاح: المرسوم 88
المرسوم عدد 88 لسنة 2011 وُلد من رحم الثورة. كتبه ناشطون وحقوقيون أرادوا قطع الطريق على عقود من التضييق. أرسى نظام التصريح — أي أن تأسيس الجمعية حق لا يحتاج إذناً، فقط إشعاراً. وهذا فارق جوهري.
يعني نظام التصريح، على عكس نظام الترخيص، أن تأسيس الجمعيات حرّ، يرتبط فقط بإرادة مؤسسيها وباتباع إجراءات معينة، دون تدخل أو سلطة تقديرية للإدارة.
هذا ما كان مكتوباً. لكن ما يحدث اليوم شيء آخر.
في ظل التعديلات المقترحة والممارسات الجارية، أصبح المسار العقابي مرتبطاً لا بمخالفات بعينها بالنظر إلى خطورتها، وإنما بأي مخالفة لأحكام المرسوم. بمعنى أن الإدارة يمكن أن تستند لإطلاق المسار العقابي على أي سهو في أي وثيقة.
أمين غالي، مدير مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية، لا يتردد في قراءة المشهد: المرسوم 88 "جيد جداً والغاية من تغييره هو فقط التضييق على المجتمع المدني، والإصلاح الوحيد يكون بتطبيقه بشكل كامل."
ثلاثون يوماً تكفي
المفارقة الإجرائية هي قلب هذا الملف.
قرار التعليق يُنفَّذ فوراً. المحكمة تُصدره، والجمعية تغلق أبوابها في اليوم نفسه. أما الطعن القضائي — الذي هو الحق النظري المقابل — فيسير بإيقاع مختلف تماماً.
رغم الطعون القضائية، خسرت جميع هذه المنظمات استئنافها لقرارات التعليق، وباتت مهددة بالحل النهائي.
وهنا يطرح فولكر تورك، المفوض الأممي السامي لحقوق الإنسان، السؤال القانوني الجوهري مباشرة: "نشهد نهجاً متنامياً تلجأ فيه السلطات التونسية إلى استخدام العقوبات المفروضة من القضاء من أجل تقييد الحق في حرية تشكيل الجمعيات بأدنى اعتبار لمبادئ القانون والضرورة والتناسب."
الضرورة والتناسب — مفهومان قانونيان دقيقان. معناهما: هل العقوبة تتناسب مع حجم المخالفة؟ وهل هي ضرورية فعلاً أم أن ثمة بديلاً أخف؟ في هذه الملفات، يبدو الجواب غير مريح.
التمويل الأجنبي: الذريعة الجاهزة
في سبتمبر 2025، أخطرت الحكومة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بمخالفات مزعومة تتعلق بإعلانها عن التمويل الأجنبي وحفظ السجلات وجمعيتها العامة. وأفادت الرابطة بأنها عالجت هذه المخالفات في غضون المهلة المحددة ولم تتلق أي طلبات أخرى بشأنها.
ومع ذلك، جاء قرار التعليق.
تتحدث المنظمات الحقوقية عن حملات تشهير ضد جمعيات تتلقى تمويلاً أجنبياً، واتهام ناشطين بأنهم "خونة وعملاء ومرتزقة"، خصوصاً في ملفات الهجرة والحقوق الاجتماعية والبيئية.
التمويل الأجنبي، في القانون الدولي، ليس جريمة — بل هو حق مكفول بشرط الشفافية لا المنع. لكنه في السياق التونسي الراهن تحوّل إلى "مفتاح إجرائي": يُفتح به الملف، ثم يُفتح بالملف ما هو أوسع منه.
الأثر: من يدفع الثمن فعلاً؟
عواقب هذا الإجراء كارثية بشكل خاص على مئات الأشخاص الذين يعتمدون على خدمات المساعدة القانونية التي تقدمها منظمة "محامون بلا حدود"، وهي العملية الوحيدة من نوعها في تونس.
أعلنت جمعية "كلام" التونسية أنها أصبحت عاجزة عن تقديم الدعم القانوني لضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي طالما استمر تعليق نشاط شريكها الرئيسي.
هؤلاء لا يظهرون في الجدل القانوني. لكنهم يدفعون ثمنه يومياً.
لماذا "تقادم" هنا؟
هذه القضايا لها تاريخ انتهاء في التغطية الإعلامية: إما أن تُرفع قرارات التعليق، أو تتراكم في خانة "أحداث 2026".
لكن ما يتلاشى بعد الخبر لا يقل خطورة عن الخبر نفسه: الجمعيات التي تفقد موظفيها حين تُغلق. الضحايا الذين يبقون دون دعم قانوني. المحامون الذين يصطدمون بملفات معلقة لم تُحسم. الثقة التي تتآكل في الفضاء المدني بأكمله.
"تقادم" لا تغطي الحدث — تتتبع ما يتركه خلفه.
في النهاية: سؤال لا تجيب عنه الوثائق الرسمية
القانون لم يتغير — المرسوم 88 لا يزال يحمل نفس الروح التي كُتب بها بعد الثورة. لكن خطورة المشهد الحالي لا تكمن فقط في المضمون التسلطي الذي يهدد بنسف مكتسبات الثورة، وإنما في انعدام أي هامش قانوني لمناقشته أو تعطيله أو الطعن فيه.
القانون يبقى ثابتاً. التأويل يتحرك. والمجتمع المدني يدفع فاتورة الفرق بين الاثنين.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً — وهو السؤال الذي لا تجيب عنه أي وثيقة رسمية:
هل ما نشهده تطبيق للقانون... أم توظيف له؟