تقادم
TAQADUM · 2026
Tuesday، 7 July 2026 العدد 0012 تونس
● مباشر
صحافة استقصائية مستقلة taqadum.tn
تقادم
TAQADUM — INVESTIGATIVE JOURNALISM — صحافة استقصائية مستقلة
تحقيق تحقيقات

فاجعة الرضّع بالرابطة

ما الذي بقي خارج الرواية الرسمية؟

شارك فيسبوك تويتر واتساب
فاجعة الرضّع بالرابطة
تحقيقات — خولة قريرة

"في مكانٍ يُفترض أن تبدأ فيه الحياة، انتهت أربع عشرة حياة قبل أن تبدأ فعلًا"

عندما تتحول الكارثة إلى أزمة ثقة

في القضايا الكبرى، لا تنتهي المآسي بمجرد صدور الأحكام أو إغلاق الملفات القضائية، لأن بعض الكوارث تواصل حياتها الثانية داخل الذاكرة الجماعية، لا باعتبارها أحداثًا مضت، بل باعتبارها جروحًا مفتوحة لم يُستكمل تفسيرها بالكامل. ومن بين أكثر الملفات التي بقيت تقاوم النسيان داخل الوعي التونسي، تبرز فاجعة وفاة الرضّع بمستشفى الرابطة، أحد أهم المؤسسات الاستشفائية العمومية في تونس، بوصفها واحدة من أكثر القضايا التي تحوّلت تدريجيًا من كارثة صحية إلى أزمة ثقة عميقة بين المواطن والدولة.

في أوائل مارس 2019، بدأت تُسجَّل وفيات متتالية لرضّع داخل مركز التوليد وطب الرضيع بمستشفى الرابطة. خلال ساعات قليلة، تحوّل الخبر إلى صدمة وطنية، بينما كان الرأي العام يبحث عن تفسير سريع يوازي حجم الفاجعة. وفي خضم ذلك الضغط الشعبي والإعلامي، خرجت الرواية الرسمية الأولى لتتحدث عن “تعفّنات حادة في الدم” أدّت إلى انهيار الدورة الدموية لدى الرضّع، في وقت كانت فيه وزارة الصحة تعقد اجتماعات عاجلة وتحاول احتواء غضب جماعي بلغ ذروته.

لكن، ومع مرور الأيام، لم يبقَ السؤال مقتصرًا على “كيف مات الأطفال؟”، بل بدأ يتحوّل تدريجيًا إلى سؤال أكثر خطورة: “هل قيلت الحقيقة كاملة؟”

رواية تتغيّر… وأسئلة تتوسع

بعد أيام قليلة من الفاجعة، بدأت الرواية الأولى تفقد وضوحها. فمع تطور التحقيقات وظهور معطيات جديدة، بدأت تبرز فرضيات أخرى تتحدث عن تلوث جرثومي محتمل مرتبط بالمستحضرات الموجهة للرضّع، وإخلالات في التعقيم، ومشكلات تقنية مرتبطة بالصيانة داخل القسم، إضافة إلى تساؤلات أوسع حول الحوكمة وإدارة الأزمة داخل المؤسسة الصحية.

وفي منتصف مارس 2019، أعلن وزير الصحة آنذاك عبد الرؤوف الشريف استقالته، وقبلها رئيس الحكومة يوسف الشاهد بسرعة، في خطوة اعتبرها البعض تحمّلًا للمسؤولية السياسية، بينما رأى فيها آخرون محاولة عاجلة لامتصاص الغضب الشعبي قبل أن يتحوّل إلى أزمة ثقة شاملة داخل المنظومة الصحية العمومية.

غير أنّ تطور الروايات الطبية والإدارية لم يُقرّب الرأي العام من اليقين بقدر ما عمّق حالة الالتباس. فكلما ظهرت فرضية جديدة، بدا وكأنّ الحقيقة تتحرك في اتجاه مختلف: مرة نحو التعفّن الجرثومي، ومرة نحو الإخلالات التقنية، ومرة نحو مشاكل التعقيم والتصرف داخل القسم.

وبين هذه الروايات المتبدلة، بدأ جزء من الرأي العام والعائلات يشعر بأنّ الملف لا يُدار فقط كأزمة صحية، بل أيضًا كأزمة تواصل وحقيقة.

الـ72 ساعة التي بقيت تثير الأسئلة

بحسب شهادات متقاطعة استقيناها من مصادر تقنية ومهنية تابعت الملف، فإنّ المعاينات التقنية الموسعة لم تُنجز إلا بعد نحو 72 ساعة من تسجيل أولى الوفيات.

وخلال تلك الفترة، ووفق روايات متقاطعة، شهد القسم دخول عدد من المتدخلين والفرق المختلفة قبل استكمال عمليات التثبّت الفني والعلمي، وهو ما دفع بعض المهنيين لاحقًا إلى التساؤل حول مدى تأثير ذلك على سلامة المعاينات وعلى إمكانية المحافظة الدقيقة على بعض عناصر الإثبات البيولوجية والتقنية.

وتؤكد أمينة العكرمي  مختصة في السلامة الصحية، أنّ البروتوكولات الدولية المعمول بها في الكوارث الصحية المشابهة تقوم عادة على مبدأ “العزل السريع لمسرح العدوى المحتملة”، بما يسمح بالمحافظة على أكبر قدر ممكن من عناصر الإثبات قبل أي تدخلات لاحقة قد تؤثر على مسار التثبت العلمي.

وحتى اليوم، لم تصدر أي جهة رسمية توضيحًا تفصيليًا للرأي العام حول أسباب هذا التأخير أو مدى تأثيره المحتمل على التحقيقات اللاحقة.

الأكياس الطبية… والوثيقة التي بلا توقيع

في الأسابيع التي تلت الفاجعة، بدأت تتداول داخل بعض الأوساط المهنية روايات تتحدث عن إشكاليات مرتبطة بطريقة التعامل مع بعض المستحضرات والأكياس الطبية التي طُرحت فرضية ارتباطها المحتمل بالوفيات.

وتؤكد الدكتورة مريم القرفالي، الكاتبة العامة للجمعية التونسية للصيادلة الاستشفائيين، أنّ جزءًا من الجدل الذي رافق الملف داخل الأوساط المهنية لم يكن مرتبطًا فقط بأسباب الوفاة، بل أيضًا بطريقة التعامل مع عناصر الإثبات منذ الساعات الأولى للفاجعة. وتشير إلى أنّ بعض الأكياس الطبية والمستحضرات التي طُرحت فرضية ارتباطها المحتمل بالوفيات لم تستكمل بشأنها جميع التحاليل المطلوبة في المرحلة الأولى من الأزمة.

وهو ما فتح لاحقًا باب التساؤلات حول مدى احترام البروتوكولات العلمية المعمول بها في حفظ ومعالجة عناصر الإثبات داخل الكوارث الصحية الحساسة.

وفي السياق نفسه، تتحدث الدكتورة القرفالي عن تقرير داخلي يتعلق بأشغال الصيانة والتعقيم داخل القسم، وهو التقرير الذي استندت إليه لاحقًا أجزاء من النقاش المهني والقضائي والإعلامي حول الملف. غير أنّ هذا التقرير، بحسب المعطيات التي تحصّلنا عليها، كان عبارة عن وثيقة مطبوعة غير ممضاة ولا تحمل أي ختم إداري رسمي، بما لا يسمح بتحديد الجهة التي قامت بإعداده أو صادقت عليه بصورة واضحة، وهو ما جعل قيمته التقنية والقانونية محلّ جدل حتى داخل بعض الأوساط المهنية التي تابعت القضية عن قرب.

هل كان الأمر إهمالًا… أم أكثر من ذلك؟

رغم حجم الشكوك والأسئلة التي استمرت لسنوات، فإنّ التحقيقات القضائية لم تذهب رسميًا في اتجاه فرضية “إخفاء الحقيقة” أو “التلاعب المتعمد”، بل ركّزت أساسًا على مسؤوليات مرتبطة بالإهمال والإخلال بالإجراءات الصحية والتقنية داخل المؤسسة.

وتؤكد الصحفية خولة السليطي، التي تابعت الملف عن قرب، أنّ الإشكال الحقيقي لم يكن فقط في أسباب الوفاة، بل في الطريقة التي أُديرت بها الحقيقة نفسها أمام الرأي العام. فبين رواية أولى تحدثت عن تعفّنات حادة في الدم، ثم معطيات لاحقة حول إخلالات في التعقيم والتحضير داخل القسم، بدا الملف وكأنّه يتحرك بين تفسيرات متغيّرة لم تنجح في منح العائلات والرأي العام رواية واضحة ومستقرة عمّا حدث فعلًا.

وترى الصحفية السليطي أنّ المشكلة لم تكن في تطوّر المعطيات الطبية — باعتبار أنّ أي تحقيق علمي قابل للتطور — بل في الكيفية التي قُدّمت بها تلك التفسيرات المتعددة للناس، خاصة في ظلّ ضغط سياسي وإعلامي كبير عاشته الدولة آنذاك. فكلّما تغيّرت الروايات، توسّعت مساحة الشك، وتحولت القضية تدريجيًا من كارثة صحية إلى أزمة ثقة حقيقية بين المواطن والمؤسسة.

ورغم ذلك، تؤكد قراءة قانونية مستقلة للمسار القضائي أجرناها مع المحامية رجاء بن صالح، المتخصصة في قضايا المسؤولية الطبية، أنّ غياب بعض عناصر الإثبات أو التأخر في بعض المعاينات لا يعني بالضرورة وجود عملية إخفاء متعمدة للحقيقة، بقدر ما يعكس حجم الارتباك الذي رافق إدارة واحدة من أكبر الأزمات الصحية التي عرفتها تونس في السنوات الأخيرة.

القضاء يُدين... لكن الأسئلة لا تغادر الملف

في 04 ماي 2025، أقرّت الدائرة الجناحية لدى محكمة الاستئناف بتونس إدانة المتهمين في القضية المتعلقة بوفاة الرضّع بمستشفى الرابطة، وقضت بسجن كل واحد منهم مدة ثمانية أشهر عن كل قضية من القضايا الأربع عشرة المنشورة ضدهم، إلى جانب غرامة مالية قدرها ثلاثون ألف دينار لفائدة كل عائلة متضررة. وشملت الأحكام مديرة مركز التوليد وطب الرضيع، ومدير الصيانة، ومدير قسم الصيدلة بالمركز نفسه، وذلك على خلفية تهم تتعلق بالتسبب في القتل عن غير قصد نتيجة الإهمال والقصور في الإجراءات المعتمدة داخل المؤسسة الصحية. لتبلغ العقوبة السجنية الإجمالية لكل متهم 112 شهرًا، أي ما يعادل تسع سنوات وأربعة أشهر، فيما بلغت قيمة التعويضات المحكوم بها لفائدة جميع العائلات المتضررة أربعمئة وعشرين ألف دينار.

ومثّلت هذه الأحكام محطة مفصلية في مسار قضائي استمر سنوات واستند إلى الخبرات الفنية والطبية والمعاينات المدرجة ضمن الملف. غير أنّ صدورها لم ينهِ الجدل الذي رافق القضية منذ بدايتها، بل أعاد فتح النقاش حول طبيعة المسؤوليات التي أفضت إلى واحدة من أكثر الكوارث الصحية إيلامًا في تونس.

وفي حديثه إلينا، اعتبر المحامي التومي بن فرحات، عضو هيئة الدفاع عن عائلات الضحايا، أنّ القضية ما تزال تطرح أسئلة جوهرية تتجاوز حدود الأحكام الصادرة. ويؤكد أنّ الخبرات الفنية والطبية المنجزة في الملف أشارت إلى إخلالات مرتبطة بما يُعرف بـ"الغرفة البيضاء" المخصّصة لإعداد المستحضرات الطبية الخاصة بالرضّع، وهي فضاء يفترض أن يخضع لشروط دقيقة من حيث التعقيم والتجهيزات والمراقبة الفنية. كما يشير إلى أنّ رئيس قسم الصيدلة، أحد المحكوم عليهم في القضية، كان قد وجّه قبل الفاجعة مراسلات رسمية إلى وزارة الصحة والإدارة العامة للصحة نبّه فيها إلى جملة من النقائص والإخلالات التي كشفها لاحقًا جزء من الاختبارات والخبرات الفنية.

غير أنّ الأستاذ بن فرحات يعتبر أنّ الأحكام، رغم أهميتها، لم تشمل إلى اليوم المسؤولين الذين يحمّلهم، بحسب تقديره، المسؤولية المباشرة عن الظروف التي سبقت الكارثة. ويرى أنّ المحاسبة انحصرت أساسًا في مسؤولين ميدانيين داخل المؤسسة الصحية، في حين بقيت مسؤوليات إدارية وإشرافية أوسع محلّ نقاش وجدل. كما يوجّه انتقادات إلى السياسات والإدارات التي تعاقبت على وزارة الصحة خلال تلك الفترة، معتبرًا أنّ الأزمة كشفت اختلالات متراكمة داخل المنظومة الصحية لم تكن وليدة لحظة الفاجعة نفسها، بل نتيجة تراكمات سابقة استمرت لسنوات.

ويضيف أنّ عددًا من المعطيات التي تم تداولها خلال الأيام الأولى للأزمة شهدت لاحقًا مراجعات وتحيينات مع تقدّم التحقيقات والخبرات، وهو ما ساهم، بحسب تقديره، في تعميق حالة الالتباس التي رافقت الملف منذ بدايته. وبالنسبة إليه، فإنّ القضية لا تختزل في الأحكام الصادرة أو العقوبات المسلطة، بل في السؤال الذي ما يزال مطروحًا بعد أكثر من ست سنوات من الفاجعة: هل شملت المحاسبة جميع من كانوا في موقع مسؤولية عن الظروف التي سبقت الكارثة، أم أنّ جزءًا من المسؤوليات بقي خارج دائرة المساءلة؟

ولم يقتصر الجدل على الأحكام السجنية فحسب، بل امتدّ أيضًا إلى مسألة التعويضات المالية المقضي بها لفائدة العائلات. فبحسب شهادات عدد من أولياء الضحايا الذين تحدثنا إليهم، فإنّ التعويضات التي أقرتها المحكمة لم تصل فعليًا إلى عدد من العائلات إلى حدود تاريخ إنجاز هذا التحقيق، وهو ما عمّق لديهم الإحساس بأنّ المسار القضائي، رغم أهميته، لم ينجح في جبر الضرر بصورة كاملة. فبالنسبة إلى هؤلاء، لا يتعلق الأمر بقيمة مالية يمكن أن تعوّض فقدان طفل، بل بمدى قدرة مؤسسات الدولة على تنفيذ ما يصدر عن القضاء وتحويل الأحكام من نصوص قانونية إلى حقوق ملموسة.

العائلات… عندما لا تُنهي الأحكام الأسئلة

بعيدًا عن التقارير الفنية والقراءات القانونية والأحكام القضائية، بقيت العائلات تحمل رواية مختلفة للقضية؛ رواية لا تُقاس بما تضمّنه الملف من خبرات أو بما انتهت إليه المحاكم من أحكام، بل بما تركته الفاجعة من أثر مستمر داخل البيوت التي فقدت أبناءها.

العربي، أحد أولياء الضحايا، يؤكد أنّ المأساة لم تنتهِ بالنسبة إلى العائلات مع صدور الأحكام القضائية، بل استمرت بأشكال مختلفة بعد انطفاء الاهتمام الإعلامي وتراجع القضية من واجهة النقاش العام. فبحسب روايته، وجدت العائلات نفسها منذ الأيام الأولى في مواجهة صدمة نفسية واجتماعية ثقيلة دون مرافقة منظمة أو إحاطة مؤسساتية دائمة تتناسب مع حجم الكارثة التي هزّت البلاد. ويضيف أنّ الشعور بالخذلان تعمّق أكثر بعد صدور الأحكام التي أقرت تعويضات مالية لفائدة العائلات المتضررة، إذ يؤكد أنّ عددًا من الأولياء لم ينتفعوا فعليًا بتلك التعويضات إلى اليوم، وهو ما جعل كثيرين يشعرون بأنّ العدالة، رغم مسارها القضائي الطويل، لم تُترجم بالكامل إلى واقع ملموس بالنسبة إلى العائلات.

أما نبيل، وهو والد أحد الرضّع المتوفين، فيرى أنّ أكثر ما أثقل كاهل الأولياء لم يكن الفقد وحده، بل استمرار الأسئلة التي بقيت دون إجابات نهائية. فبعد سنوات من التحقيقات والتقارير والأحكام، ما يزال عدد من العائلات يتساءل عن كيفية حدوث المأساة بالضبط، وعن مدى استكمال جميع عناصر الحقيقة خلال مراحل التحقيق المختلفة. ويقول إنّ الحزن، مهما كان قاسيًا، قد يجد مع مرور الزمن شكلًا من أشكال التعايش، أمّا الشك فيظل أكثر صعوبة، خاصة عندما تتعدّد الروايات وتتواصل النقاشات حول بعض الجوانب التقنية التي رافقت الملف منذ بدايته.

وبين شعور العائلات بعدم جبر الضرر بصورة كاملة، واستمرار الجدل حول بعض تفاصيل التحقيق، تبدو فاجعة الرضّع بالنسبة إلى كثير من الأولياء قضية لم تُغلق بالكامل بعد. فبالنسبة إليهم، لا تُقاس المأساة بعدد السنوات التي مرّت ولا بالأحكام التي صدرت، بقدر ما تُقاس بقدرة المؤسسات على منح العائلات ما تبحث عنه منذ الليلة الأولى: حقيقة واضحة، وعدالة مكتملة، واعتراف يوازي حجم الخسارة التي عاشتها.

أسئلة أُرسلت إلى الدولة… ولم يصل جواب

في إطار هذا التحقيق، حاولنا الاتصال بعدد من المسؤولين الذين ارتبطت أسماؤهم بالملف في مراحله المختلفة. وقد أجرينا محاولات متكررة للتواصل مع وزير الصحة السابق عبد الرؤوف الشريف عبر الهاتف والرسائل دون أن نتلقى أي رد. كما رفض رئيس لجنة الدفاع عن عائلات الضحايا الإجابة عن أسئلتنا المتعلقة ببعض عناصر الملف، في حين وعدت وزيرة الصحة السابقة سنية بالشيخ بالعودة للحديث إلينا قبل أن ينقطع التواصل لاحقًا.

كما وجّهنا، قبل أسبوعين من إعداد هذا التحقيق، أسئلة مكتوبة إلى وزارة الصحة الحالية وإلى النيابة العمومية للاستفسار حول مصير بعض عناصر الإثبات التقنية المثارة داخل القضية، وحول ما إذا كانت الجهات الرسمية تعتبر الملف مغلقًا نهائيًا من الناحية الفنية والقضائية، غير أنّنا لم نتلقَّ أي رد إلى حدود نشر هذا التحقيق.

ما الذي بقي خارج الرواية؟

قضائيًا، قد يبدو الملف اليوم مغلقًا.

لكن داخل ذاكرة العائلات، وداخل الأسئلة التي ما تزال تتكرر بعد سنوات، تبدو القضية أبعد من مجرد حادثة انتهت بأحكام ومحاضر. فالسؤال الذي ظلّ حاضرًا منذ الليلة الأولى للفاجعة ما يزال قائمًا إلى اليوم: هل كانت وفاة الرضّع نتيجة خطإ فردي معزول؟ أم أنّها كشفت، بصورة مأساوية، حدود منظومة صحية كاملة كانت تعمل أصلًا تحت ضغط واختلالات متراكمة؟

وربما تكمن خطورة هذه القضية، ليس فقط فيما حدث داخل قسم الإنعاش، بل فيما حدث بعد ذلك أيضًا؛ حين بدأت الروايات تتغيّر، والتفسيرات تتبدّل، والعائلات تبحث عن يقين وسط ضجيج سياسي وإعلامي وقضائي لم ينجح، بالنسبة إلى كثيرين، في إنهاء الشعور بأن جزءًا من الحقيقة ما يزال خارج الصورة.

ولهذا السبب تحديدًا، ما تزال فاجعة الرضّع، بعد كل هذه السنوات، قضية لم تُغلق بالكامل؛ لا داخل ذاكرة العائلات، ولا داخل النقاش العام الذي أُعيد إحياؤه في ماي 2025 إثر صدور أحكام الاستئناف وما رافقها من تغطية إعلامية واسعة وتعليقات حقوقية ومهنية تجاوزت الحدود التونسية، ولا داخل الأسئلة التي ما تزال تنتظر، إلى اليوم، إجابات أكثر وضوحًا.

في القضايا العادية، ينتهي كل شيء عندما تهدأ العناوين. أمّا في هذه القضية… فقد صدرت الأحكام، وانطفأت العناوين، لكن الأسئلة التي وُلدت مع الليلة الأولى للفاجعة ما تزال، إلى اليوم، تبحث عن جواب.